محمد جمال الدين القاسمي
235
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أي : أفشوه . فتعود إذاعتهم مفسدة من وجوه : الأول - أن هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني - أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن ، زادوا فيه زيادات كثيرة . فإذا لم توجد تلك الزيادات ، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم . لأن المنافقين كانوا يروون تلك الإرجافات عن الرسول . وإن كان ذلك في جانب الخوف ، تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه . والثالث - أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام . وذلك سبب لظهور الأسرار . وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . والرابع - أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار . فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني . فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم ، أرجف المنافقون بذلك . فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار . فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم . وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه ، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين . فظهر من هذا أن ذلك الإرجاف كان منشئا للفتن والآفات من كل الوجوه . ولما كان الأمر كذلك ذم اللّه تعالى تلك الإذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه . أفاده الرازيّ . وَلَوْ رَدُّوهُ أي ذلك الأمر الذي جاءهم إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم كبراء الصحابة البصراء في الأمور رضي اللّه عنهم ، أو الذين يؤمّرون منهم وكانوا كأن لم يسمعوا لَعَلِمَهُ أي : الأمر الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ أي يستعلمونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون مِنْهُمْ أي من الرسول وأولي الأمر . يعني لو أنهم قالوا : نسكت حتى نسمعه من جهة الرسول ومن ذكر معه ، ونعرف الحال فيه من جهتهم ، لعلموا صحته وأنه هل هو مما يذاع أو لا ؟ وإنما وضع الموصول موضع الضمير ، يعني لم يقل ( لعلموه ) لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام . أو لذمهم أو للتنبيه على خطئهم في الفحص عن استخراج وإظهار خفيّ ذلك الأمر . قال الناصر في ( الانتصاف ) : في هذه الآية تأديب لكل من يحدث بكل ما يسمع . وكفى به كذبا . وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدوّ . وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم ، خيرا أو غيره . انتهى . و قد روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كفى بالمرء كذبا